ابن أبي أصيبعة
193
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فوافيت ابنا لداؤد بن سرافيون حدثا يشبه أن يكون ابن أقل من عشرين سنة قد أمرت أم جعفر بإحضاره مع المتطببين ليتأدب بحضور ذلك المجلس وقد تقدمت إلى جميع من يطيف بها من المتطببين في تعليمه وتوقيفه عناية به لمكان أبيه من خدمتها فوافيته وهو يلاحي متطببا راهبا أحضر دارها في ذلك اليوم من أهل الأهواز في شرب الماء للمنتبه من نومه ليلا فقال ابن داؤد ما الله خلق بأحمق ممن يشرب ماء بعد انتباهه من نومه ووافى جبرائيل عندما قال الغلام هذا القول باب البيت فلم يدخل المجلس إلا وهو يقول أحمق والله منه من تتضرم نار على كبده فلم يطفئها ثم دخل فقال من صاحب الكلام الذي سمعته فقيل له ابن داؤد فعنفه على ذلك وقال له كانت لأبيك مرتبة جليلة في هذه الصناعة وتتكلم بمثل ما سمعته منك فقال له الغلام فكأنك أعزك الله تطلق شرب الماء بالليل عند الانتباه من النوم فقال جبرائيل المحرور الجاف المعدة ومن تعشى وأكل طعاما مالحا فأطلقه له وأنا أمنع منه الرطبي المعد وأصحاب البلغم المالح لأن في منعهم من ذلك شفاء من رطوبات معدهم وأكل بعض البلغم المالح بعضا فسكت عنه جميع من حضر ذلك المجلس غيري فقلت يا أبا عيسى قد بقيت واحدة قال وما هي قلت أن يكون العطشان يفهم من الطب مثل فهمك فيفهم عطشه من مرار أو من بلغم مالح فضحك جبرائيل ثم قال لي متى عطشت ليلا فأبرز رجلك من لحافك وتناوم قليلا فإن تزايد عطشك فهو من حرارة أو من طعام يحتاج إلى شرب الماء عليه فاشرب وأن نقص من عطشك شيء فأمسك عن شرب الماء فإنه من بلغم مالح قال يوسف بن إبراهيم وسأل أبو إسحق إبراهيم بن المهدي جبرائيل عن علة الورشكين فقال هو اسم ركبته الفرس من الكسر والصدر واسم الصدر بالفارسية الفصيحة ور والعامة تسميه بر واسم الكسر أشكين فإذا جمعت اللفظتين كانتا ورشكين أي هذه العلة من العلل التي يجب أن يكسر عليها الصدر وهي علة لا تستحكم بإنسان فيكاد ينهض منها وإن من نهض منها لم يؤمن عليه النكسة سنة إلا أن يخرج منه استفراغ دم كثير تقذفه الطبيعة من الأنف أو من أسفل في وقت العلة أو بعدها قبل السنة فمتى حدث ذلك سلم منه فقال أبو إسحق كالمتعجب سنة قال نعم جعلني الله فداك وعلة أخرى يستخف بها الناس وهي الحصبة فإني ما أمنت على من أصابته من النكسة سنة إلا أن يصيبه بعقبها استطلاق بطن يكاد أن يأتي على نفسه أو يخرج به خراج كثير فإذا أصابه أحد هذين أمنت عليه قال يوسف ودخل جبرائيل على أبي إسحق يوما بعقب علة كان فيها وقد أذن له في أكل اللحم الغليظ فحين جلس وضعت بين يديه كشكية رطبة فأمر برفعها فسألته عن السبب